المنجي بوسنينة

315

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

السنن ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، والدارقطني . ويمكن القول إن روايات الإمام جعفر رضي اللّه عنه للسنّة النبوية ولآثار أئمّة آل البيت ، التي رويت عنه من غير طريق أهل السنّة ، إن صحّت طرق النقل عنه ، تعتبر توثيقا هاما لما كان المحدّثون من أهل السنّة يتشدّدون في روايتها خشية الدسّ والوضع على هؤلاء الأئمّة الأطهار وعلى النبي من طريقهم ، في فترة كان الولاء السياسي والعاطفي أحد أسباب الوضع على الرسول . ولذا ، فإنّ ما قيل حول تجنّب الإمام البخاري الرواية ، لا يمكن أن يفسر إلّا بأنّه توقف في الرواة الذين يوصلون إليه الروايات ، وليس توقّفا في جعفر رضي اللّه عنه [ الإمام الصادق ، ص 258 ] . وفي علم الفقه ، كان الصادق رضي اللّه عنه في الذروة بين فقهاء عصره ، وكان معنيا كلّ العناية بمعرفة آراء الفقهاء على شتّى مناهجهم واختلاف مشاربهم ، وفيه قال أبو حنيفة إثر مناظرة جرت بينهما بحضور الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور : « إنّ أعلم النّاس أعلمهم باختلاف الناس » . فقد كان على علم كامل بما انتهت إليه المدارس الفقهية في عصره ، والتي كان قطباها مدرسة المدينة المنورة ومدرسة العراق ؛ وكان له من بين ذلك أقوال وآراء واختيارات ، موافقة لإحداهما تارة ومخالفة لهما تارة أخرى . وقد ساهم جهد الإمام الفقهي في إثراء مجال التشريع في حياة الأمّة ، بتتبّع ما يطرأ عليها من مشاكل بالحلول الشرعية التي تجعل المسلمين يحيون في كنف الشريعة . ولمّا كان النظر الفقهي في بداية القرن الثاني هجري قد أخذ ينتقل من طور النظر الجزئي للمسائل الذي كان سائدا في عصر التابعين ، إلى النظر الكلّي المحكوم بمنهج تتنزّل في إطاره المسائل ، والذي أصبحت قواعده واضحة في أذهان الفقهاء الذين آلت إليهم مهمّة الإفتاء في عصر ما بعد التابعين ، وأقاموا بحثهم الفقهي على منهج يتميّز به كلّ إمام عن غيره ؛ عرف فيما بعد بعلم أصول الفقه ، فإنّ الإمام الصادق يعتبر من أئمّة هذا العصر الذين تأسس على أيديهم هذا العلم ونضج واكتمل ، وإن لم يفكّروا في تدوينه ، ولكن دلّت عليه آراؤهم واجتهاداتهم في فروع المسائل المعروضة عليهم ، وإشاراتهم ، في دروسهم لتلامذتهم ، إلى مستنداتهم وأصولهم فيما يأخذون به ويتوصّلون إليه . وبذلك يكون الإمام الصادق قد أرسى دعائم مذهب متكامل الأركان ، يقوم على فتاوى منبثقة عن منهج واضح المعالم ، وقد تلقاه عنه أتباعه ومريدوه ، وتناقلوه في عصره وبعد عصره . وبعد مرحلة التأسيس والتلقّي عن الإمام ، مرّ هذا المذهب بمرحلة تالية ، تناوله فيها الأتباع بالدرس والفهم ، وكشفوا عن دقائق منهج الإمام في أصوله ، وصنّفوا فيه المصنّفات . وأصبح هذا المذهب ينسب إلى من له الفضل في تأسيسه ووضع قواعده ، ويعرف بالمذهب الجعفري . وفي مجال العقيدة ، فإنّ مقالاته المنسوبة إليه في مباحث القدر وأفعال الإنسان ومرتكب الكبيرة وصفات اللّه تعالى ومسألة خلق القرآن وغير ذلك من موضوعات العقيدة ، تدلّ على اطلاعه ومتابعته لما كان يستجدّ في عصره من آراء ونظريات في هذا المجال ، وعلى